أبي منصور الماتريدي

84

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )

والثاني : قوله : مِنْ ظُهُورِهِمْ وفي قولهم : من ظهر آدم . والثالث : قوله : أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هذا غافِلِينَ وفي التأويل « 1 » ألّا تقولوا ، فكيف يحذرهم عن القول بذلك وقد علم أنهم كذلك ، ليس أحد منهم يذكر ذلك ، ولا مما يتقرر عنده لو نبه بكل أنواع التنبيه ؟ والرابع : قوله : أَوْ تَقُولُوا إِنَّما أَشْرَكَ آباؤُنا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ [ الأعراف : 173 ] ما في ذلك العرض مما يمنع عن هذا القول ، وأيضا أنه [ ذكر في بعض ذلك القول بأن هؤلاء ] « 2 » في النار ولا أبالي ، وفي القرآن الجمع بينهم في القول ببلى ، وذلك عد توحيدا منهم مع ما في القرآن : وَكُنْتُمْ أَمْواتاً . . . الآية [ البقرة : 28 ] قالُوا رَبَّنا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ . . . الآية [ غافر : 11 ] ، وفي إثبات « 3 » ذلك إثبات الموت والحياة أكثر من العدد الذي جاء به القرآن في الكل ، ولا قوة إلا بالله . ثم قد يتوجه التأويل الثاني [ في قوله : ] « 4 » وَأَشْهَدَهُمْ عَلى أَنْفُسِهِمْ أَ لَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى [ الأعراف : 172 ] إلى أوجه . فأما ابتداء الآية فهو ذلك عند التحقيق ؛ لأنه ذكر الأخذ من بني آدم ثم من ظهورهم ، والمأخوذ من بني آدم ثم من ظهورهم هو النطف ، وهو الماء الدافق الذي يخرج من بين الصلب والترائب ، وَأَشْهَدَهُمْ عَلى أَنْفُسِهِمْ أعلمهم ما منه أنشأهم وقلبهم من حال إلى حال ، إلى أن تمت النسمة « 5 » وظهرت البشرية على ما أعلم كل في ذريته خروج بدئه من تدبير والديه ، وقيامه على ما عليه مداره وقراره ، وبتدبير من لا يعجزه شيء ، ولا يخفى عليه أمر ؛ ليقولوا : إن الذي ذكر هذا هو ربهم الذي رباهم على ذلك ، ليس كمثله شيء ، فكان ذلك إعلاما من الله إياهم على أنفسهم ، وشهادة منها بالخلقة أنه ربهم الذي رباهم وملكهم على ما جرى فيهم من تدبير الله - جل ثناؤه - ولئلا يقولوا غدا : إنهم عن هذا غافلين ؛ إذ قد عرف ذا كل ذي عقل ، وعرف أنه كان بالله - سبحانه وتعالى - لا بوالديه ؛ ليجعلوا شرك الآباء والأمهات لأنفسهم حجة من حيث كانوا منهم ، والله أعلم . والثاني : أن يكون الله أشهدهم على أنفسهم بما أراهم من أحوال ذريتهم في الانتقال

--> ( 1 ) انظر : تفسير الخازن والبغوي ( 2 / 610 ) . ( 2 ) في ب : ذكر في ذلك القول هؤلاء . ( 3 ) في أ : بيان . ( 4 ) سقط في أ . ( 5 ) النسم : الخلق والناس ، والنسمة : كل كائن حي فيه روح . ينظر : المعجم الوسيط ( 2 / 919 ) ( نسم ) .